20 يوماً في السنة .. هل تدمر الإجازات المرضية اقتصاد ألمانيا؟
بمتوسط يقترب من 20 يوماً سنويا، سجلت الإجازات المرضية في ألمانيا رقما قياسيا جديدا وَضَعَ اقتصاد البلاد في مرمى الانتقادات. فهل تحولت ألمانيا إلى رجل أوروبا المريض؟ وكيف تبدو أرقامها مقارنة بباقي دول القارة العجوز؟أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس مؤخرا عن إجراءات صارمة للحد من العدد الكبير لأيام الإجازات المرضية التي يأخذها العاملون في البلاد.
وتأتي هذه الخطوة عقب دراسة نشرها في يناير/كانون الثاني معهد "IGES" ومقره في برلين، أظهرت أن العمال الألمان يأخذون الآن حوالي 19.5 يوم عمل كإجازة مرضية سنويا. ويمثل هذا الرقم زيادة ملحوظة مقارنة بنحو 13 يوما في عام 2018.
وكجزء من مقترحات ميرتس، لن يتمكن العمال اعتبارا من يناير/كانون الثاني المقبل، من الحصول على شهادة مرضية عبر الهاتف، إذ سيتعين عليهم زيارة الطبيب شخصيا في اليوم الأول للمرض. ويُصَعب هذا الإجراء الحصول على إجازة من العمل لأسباب صحية.
"الغياب يضر بالاقتصاد"
وصرح ميرتس بأن ارتفاع معدلات التغيب يضر بالاقتصاد الألماني، مضيفا: "لم يعد بإمكاننا تحمل هذا العيب التنافسي الناجم عن فترات الغياب الطويلة عن العمل".
وقد صاغ ميرتس هذه الإجراءات الصارمة باعتبارها محاولة لاستعادة ما أسماه "العدالة والفعالية" في سوق العمل، مما يتيح لأصحاب العمل وشركات التأمين الصحي التعامل بحزم أكبر مع حالات الغياب المتكرر.
ويُعد هذا التغيير جزءا من حزمة إصلاحات أوسع لبرامج الصحة والضمان الاجتماعي، تم الاتفاق عليها من قبل الائتلاف الحاكم المكون من تحالف ميرتس المسيحي المحافظ وشريكه الحزب الاشتراكي الديمقراطي.
يحق للعمال الحصول على 100 بالمئة من رواتبهم خلال فترة إجازة مرضية تصل إلى ستة أسابيع، حيث يتحمل صاحب العمل تكلفة ذلك. وعادة ما يُطلب تقديم شهادة طبية بعد ثلاثة أيام من الغياب.
وبعد انقضاء ستة أسابيع من الإجازة المرضية، يتولى نظام التأمين الصحي القانوني المسؤولية، حيث يدفع حوالي 70% من إجمالي الراتب، مع وجود سقف محدد لمدة تصل إلى 78 أسبوعا خلال فترة ثلاث سنوات للمرض نفسه.
وإلى جانب حماية العمال من فقدان الدخل بسبب المرض، يشجع هذا النظام أيضا على التعافي بشكل سليم لمنع الموظفين من نقل العدوى إلى زملائهم في العمل. لكن يختلف النظام الألماني عن الأنظمة المتبعة في العديد من الدول الأخرى.
مقارنة بالولايات المتحدة والهند
في الولايات المتحدة مثلا، لا يوجد متطلب فيدرالي يفرض منح إجازات مرضية مدفوعة الأجر، إذ لا يحصل العديد من العمال على أي إجازة مرضية أو يحصلون على بضعة أيام فقط، وذلك يعتمد على سياسة صاحب العمل.
وفي الهند، غالبا ما تقتصر الإجازة المرضية مدفوعة الأجر على بضعة أيام سنويا بموجب قوانين العمل، إذ تكون العديد من حالات الغياب القصير غير مدفوعة الأجر، وتتفاوت القواعد المطبقة بشكل كبير حسب الشركة والقطاع والولاية.
أما في ألمانيا، فيواجه نظام الإجازات المرضية انتقادات من السياسيين ورجال الأعمال، بدعوى أنه يؤدي إلى ارتفاع معدلات التغيب عن العمل، وهو ما يضر بالإنتاجية والقدرة التنافسية، حسب رأيهم.
يعاني الاقتصاد الألماني من صعوبات لعدة عوامل، منها تزايد المنافسة الصينية، والتوترات الجيوسياسية، وارتفاع تكاليف الطاقة، بينما تسعى الحكومة جاهدة لإيجاد سبل لتعزيز النمو.
في المقابل، يرى منتقدو الإصلاحات التي اقترحها "ميرتس" أن هذا التشدد قد يؤدي إلى وصم المرض الحقيقي، وتحميل فئة العمال، التي تتزايد فيها نسبة كبار السن، مسؤولية المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها البلاد.
لماذا صارت ألمانيا تُوصف بـ "رجل أوروبا المريض"؟
أشار معهد "IGES" في تقرير نُشر في يناير/كانون الثاني إلى أن تحسّن آليات الإبلاغ يُعد سببا رئيسيا لارتفاع معدلات الإجازات المرضية. ويعود الفضل في ذلك إلى النظام الإلكتروني الجديد للشهادات المرضية (eAU) في البلاد، والذي دخل حيز التنفيذ عام 2023.
فقد أصبح الأطباء يرسلون الشهادات مباشرة إلى شركات التأمين الصحي، وبات بإمكان أصحاب العمل الحصول عليها رقميا، مما جعل عملية التتبع أكثر دقة. وأوضح المعهد أن العديد من حالات الغياب القصير، التي لم تكن تُسجّل سابقا في السجلات الورقية، أصبحت الآن مدرجة ضمن البيانات المتاحة.
وثمة عامل آخر يتمثل في تغير السلوكيات أثناء جائحة كوفيد 19 وما بعدها، حيث أصبح العمال أكثر وعيا بمخاطر انتقال الفيروسات. ووجد المعهد أن الناس باتوا أكثر ميلا للبقاء في منازلهم عند الإصابة بنزلات البرد أو الإنفلونزا، وهو أمر إيجابي للصحة العامة، لكنه يؤدي في الوقت ذاته إلى زيادة عدد أيام الإجازات المرضية المسجلة.
كما تزايدت مشاكل الصحة النفسية كسبب للغياب عن العمل، في حين لا تزال مشاكل الجهاز العضلي الهيكلي، مثل آلام الظهر، تُعد من الأسباب الرئيسية للحصول على إجازة مرضية.
ووفقا لأبحاث معهد "IGES"، التي أُجريت لصالح شركة التأمين الصحي "DAK-Gesundheit"، فإن العاملين في قطاع الرعاية الصحية يسجلون أعلى معدلات للإجازات المرضية. في المقابل، يسجل العاملون في مجالات معالجة البيانات وتكنولوجيا المعلومات بعضا من أدنى المعدلات في هذا الصدد.
كيف يبدو وضع ألمانيا مقارنة بالدول الأخرى؟
تُعد بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الوسيلة الأسهل لإجراء هذه المقارنة. غير أن المنظمة تحسب الإجازات المرضية على أساس أسابيع مكونة من 7 أيام، وليس على أساس أيام العمل الفعلية، ولذلك لا يمكن إجراء مقارنة مباشرة مع بيانات معهد "IGES".
وفقا لبيانات المنظمة، بلغ متوسط الغياب في ألمانيا 3.5 أسبوعا، أي 24.5 يوما خلال العام الماضي. وبهذا، لا تُعد ألمانيا بالتأكيد الأسوأ في هذا الصدد، إذ سجلت كل من النرويج وإسبانيا وسلوفينيا معدلات بلغت خمسة أسابيع أو أكثر.
كما تسجل كل من فنلندا (4.8 أسبوعا) وفرنسا (4.1) والبرتغال (4.0) وبلجيكا (3.9)، وهي معدلات غياب أعلى من تلك المسجلة في ألمانيا.
وتسجل العديد من دول أوروبا الشرقية والجنوبية معدلات إجازات مرضية أقل بكثير، إذ يبلغ المتوسط في كل من بلغاريا ورومانيا وتركيا واليونان والمجر أسبوعا واحدا أو أقل سنويا، في حين يحصل العمال في بولندا على إجازات مرضية بمتوسط 1.8 أسبوع (أي 8 أو 9 أيام).
وتُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، التي تغطي 32 دولة من أصل 38 دولة عضوا فيها، أن الأمريكيين حصلوا على إجازات مرضية لمدة 1.1 أسبوع في عام 2024، وهو أحدث عام تتوفر عنه حوله الأرقام.