صفقات المونديال.. من يحصد المليارات ومن يدفع الفاتورة؟
بطولة كأس العالم لكرة القدم لم تعُد مجرد حدث رياضي، بل أكثر بكثير من ذلك. فهي تمثل صفقات تُقدر بالمليارات بالنسبة لبعض الشركات وقطاعات بأكملها، لا سيما عبر حقوق البث التلفزيوني والرعاية. في المقابل، هناك من يدفع الثمن.خلال الأسابيع الخمسة المقبلة، سيتابع حوالي ستة مليارات شخص حول العالم مباريات كأس العالم لكرة القدم أمام شاشات التلفزيون، إضافة إلى ستة ملايين مشجع آخر يُتوقع حضورهم إلى الملاعب.
هذا ما يتوقعه الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا ". في الوقت ذاته، هناك توقعات اقتصادية كبيرة للشركات والمؤسسات المرتبطة بالبطولة.
الفيفا.. المستفيد الأكبر
إلى جانب الفنادق والمطاعم وشركات الطيران ومُنتجي المعدات والمستلزمات الرياضية، يُتوقع أن يستفيد الفيفا بشكل خاص، من أعداد الجماهير الكبيرة والاهتمام الإعلامي نظرا لأنه المسؤول عن تخطيط وتنظيم كأس العالم.
في مقابلة مع قسم الشؤون المالية في القناة الألمانية الأولى، قال فلوريان بفيفل، أستاذ إدارة الأعمال الرياضية في جامعة أكاديس في مدينة باد هومبورغ، إن الاتحاد الدولي لكرة القدم ينتظر إيرادات بالمليارات، مضيفا أن "الفيفا هو الرابح الاقتصادي للبطولة".
وكان الفيفا قد أعلن عن هدفه بتحقيق إيرادات بمقدار 13 مليار دولار في الفترة الممتدة بين عامي 2023 و 2026. وهذا ما يُمثل زيادة كبيرة مقارنة بالإيرادات التي حققها الفيفا المرتبطة كأس العالم في قطر، والتي تراوحت بين سبعة وثمانية مليارات دولار، حسب الخبير الألماني.
منتخبات أكثر وإيرادات أكبر
تعود هذه الزيادة الهائلة في الإيرادات أيضا إلى أسعار التذاكر المرتفعة التي حددها " الفيفا " حيث أنه من أجل مشاهدة المباراة الأولى للولايات المتحدة من المدرجات، يتعين على المشجعين دفع أكثر من ألف دولار، أي ما يعادل 850 يورو كثمن التذكرة.
وبذلك، تتجاوز أسعار التذاكر للبطولة التي تقام في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا جميع المعايير السابقة. كما أن قرار الفيفا بزيادة عدد الفرق، ولأول مرة، من 32 إلى 48 فريقا، يساهم بشكل كبير في تحقيق إيرادات بمليارات الدولارات، لا سيما أن عدد مباريات البطولة ارتفع من 64 إلى 104 مباراة.
وزيادة عدد الفرق تعني بالطبع المزيد من المباريات، وهو ما يُرجح أن يؤدي أيضا إلى ارتفاع إيرادات الإعلانات وأموال الرعاة ومبيعات التذاكر. لكن هذه العناصر أو المعطيات لا تشكل النصيب الأكبر من الإيرادات، وفقا لـ بفيفل.
فعند النظر إلى مصادر الإيرادات المتعلقة بكأس العالم الأخيرة، أي في الأعوام من 2019 إلى 2022، فيتبين أن ما يزيد عن 50 في المائة من الإيرادات ناتج عن حقوق البث، وحوالي 30 في المائة من الرعاية، و10 في المائة فقط من مبيعات التذاكر، ثم يتبقى ما يزيد عن 5 في المائة من الإيرادات الأخرى، حسب الخبير الألماني.
منصات البث
بناء على ذلك، فإن مصدر الدخل الرئيسي للفيفا يكمن في حقوق البث التلفزيوني. فالقنوات التلفزيونية الدولية ومنصات البث المباشر، مثل كومكاست (Comcast) وماغنتا (MagentaTV) أو (DAZN)، تشتري من الفيفا الحق في بث مباريات كأس العالم.
وتأمل هذه الجهات أو الشركات بدورها في اجتذاب مشتركين جدد وزيادة عائدات الإعلانات. لكن، حتى الخبراء لا يعرفون بالتحديد المبالغ التي تدفعها شركات البث المباشر مقابل هذه الحقوق.
فحقوق بث نهائيات كأس العالم لا تُمنح في مزاد علني، على عكس حقوق البث في الدوري الألماني، على سبيل المثال، بل يتم التفاوض عليها سرا بين الفيفا ومقدمي الخدمات.
بيد أن مدى نجاح صفقات كأس العالم يظل بالنسبة لمقدمي الخدمات غير واضح لفترة طويلة قبل البطولة، بحسب ما ذكره فيفل الذي يرى أن نجاح هذه المراهنة قد يعتمد، حسب البلد وحزمة الحقوق، على النجاح الرياضي للمنتخب الوطني.
وأضاف أنه "كلما تقدم المنتخب في البطولة، زاد الحماس في ذلك البلد، حيث سيكون المشاهدون مهتمين بمتابعة كأس العالم أكثر فأكثر، وهو ما يؤدي بالطبع إلى مزيد من الاشتراكات".
توزيع غير متكافئ
بيد أن الآثار الاقتصادية لكأس العالم موزعة بشكل غير متكافئ. ففي حين يحقق الفيفا وبعض منصات البث المباشر أرباحا ضخمة، تقع أعباء التكاليف على عاتق الدول المضيفة والبلديات.
وغالبا ما يتم تمويل الاستثمارات في الملاعب والبنية التحتية والأمن والنقل، من الأموال العامة. وفي كثير من الأحيان، تتجاوز النفقات الإيرادات اللاحقة، بشكل كبير. لذلك، يتحدث النقاد منذ سنوات عن صفقة غير عادلة بالنسبة لدافعي الضرائب الذين سيضطرون لاحقا إلى تعويض العجز والخزينة الفارغة، بشكل غير مباشر.
إضافة إلى ذلك، فإن الدفعات والحوافز الاقتصادية التي يُعلن عنها، غالبا ما تصبح أقل أهمية عند النظر إليها عن كثب.
وفقا لتقديرات الفيفا ومنظمة التجارة العالمية، يمكن أن تساهم البطولة العالمية التي تستمر خمسة أسابيع بحوالي 17 مليار دولار في الناتج الاقتصادي للولايات المتحدة.
فوائد اقتصادية للولايات المتحدة
يقول كريستوف بروير، أستاذ إدارة الأعمال الرياضية في الجامعة الألمانية للرياضة في كولونيا، إن هذا المبلغ هامشي مقارنة بحجم الاقتصاد الأمريكي.
فحتى لو تحقق مبلغ الـ17 مليار دولار، فمن غير المرجح أن يكون له تأثير كبير وملموس، في النهاية، لا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار أن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة يبلغ 30 تريليون دولار، مما يعني أن حصة الـ 17 مليار دولار تساوي حوالي 0.05 في المائة فقط من هذا الرقم الضخم.
وبالتالي، من المتوقع أن تظل الفائدة الاقتصادية الإجمالية محدودة بالنسبة للبلدان المضيفة، لكن في المقابل، يمكن أن تكون بطولة كأس العالم تجارة مربحة لبعض القطاعات والشركات.
وهكذا، تكون البطولة شبيهة بالرياضة نفسها، أي هناك فائز واحد كبير، في المقابل هناك العديد من الخاسرين.
تحرير: محمد فرحان